رسالة : بطلان الرجم شرعاً وعقلاً
فصل : اضطراب دعاة الرجم في مسألة النسخ
كتب : محمد
الأنور ( أبو عبد الله المدني , تبيين الحق ) :
من المعلوم أن الشافعي وابن تيمية يقولون بأن الآثار لا تنسخ القرآن , ولكنهم
ناقضوا أنفسهم في الرجم والصلوات الخمس .
أولاً : اضطراب
الشافعي :
1 ـ الشافعي يرى
أن الآثار لا تنسخ القرآن :
قال الشافعي في الرسالة : ( إنَّ الله خلَق الخلْق لِما سَبَق في علمه
مما أراد بخلقهم وبهم، لا مُعَقِّبَ لحُكْمه، وهو سريع الحِساب. وأنزل عليهم
الكتاب تِبْيانا لكل شيء، وهُدًى ورحمةً، وفرض فيه فرائض أثبتها، وأُخْرَى
نسَخَها، رحمةً لِخَلْقه، بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به
مِن نِعَمه. وأثابَهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم: جَنَّتَه، والنجاة من
عذابه؛ فعَمَّتْهم رحمتُه فيما أثبت ونسخ، فله الحمد على نعمه. وأبان الله لهم أنه
إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب، وأن السنةَ لا ناسخةٌ للكتاب، وإنما هي تَبَع
للكتاب، يُمَثِّلُ ما نَزل نصا، ومفسِّرةٌ معنى ما أنزل الله منه جُمَلا. قال
الله: " وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ
لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ. قُلْ مَا
يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي؛ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا
يُوحَى إِلَيَّ. إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
" فأخبر الله أنه فرَضَ على نبيه اتباعَ ما يوحَى
إليه، ولم يجعل له تبديله مِن تِلْقاء نفسه. وفي قوله: " مَا يَكُونُ لِي
أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي " ، بيانُ ما وصفتُ، مِن أنه
لا يَنْسخ كتابَ الله إلا كتابُه، كما كان المُبْتدىءَ لفرضه، فهو المُزيلُ المثبت
لِما شاء منه، جل ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحد من خلقه. وكذلك قال: " يَمْحُو
اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ " . وقد
قال بعضُ أهل العلم: في هذه الآية - والله أعلم - دِلاَلة على أن الله جعَل لرسوله
أنْ يقولَ مِن تِلقاء نفسه بتوفيقه فيما لم يُنْزِلْ فيه كتابا، والله أعلم. وقيل
في قوله: " يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ... " (الرعد: 39) يمحو فَرْض ما
يشاء، ويُثبت فرض ما يشاء، وهذا يُشبه ما قيل، والله أعلم. وفي كتاب الله دِلالة
عليه، قال الله: " مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ
مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ " فأخبر الله أنَّ نسْخَ القُرَآن، وتأخيرَ إنْزالِه لا يكون
إلا بِقُرَآن مثلِه. وقال: " وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ: قَالُوا: إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ
" ) . ( الرسالة للشافعي ) .
2 ـ الشافعي يعارض نفسه ويرى نسخ الآثار للقرآن :
قال الشافعي في الأم : ( باب ما جاء في قول الله عز وجل" واللاتي
يأتين الفاحشة من نسائكم " حتى ما يفعل بهن من الحبس ، والأذى
قال الله جل ثناؤه" واللاتي
يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت " فيه دلالة على أمور منها
أن الله عز وجل سماهن من نساء المؤمنين ; لأن المؤمنين المخاطبون بالفرائض يجمع
هذا إن لم يقطع العصمة بين أزواجهن وبينهم في الزنا وفي
هذه الآية دلالة على أن قول الله عز اسمه
" الزاني
لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك "
كما
قال ابن
المسيب إن شاء الله
تعالى منسوخة. أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد قال قال ابن
المسيب نسختها" وأنكحوا
الأيامى منكم" فهن من أيامى المسلمين وقال
الله عز وجل " فأمسكوهن
في البيوت " يشبه عندي والله
تعالى أعلم أن يكون إذا لم تقطع العصمة بالزنا فالموارثة بأحكام الإسلام ثابتة عليها
وإن زنت ويدل إذا لم تقطع العصمة بينها وبين زوجها بالزنا لا بأس أن ينكح امرأة ،
وإن زنت أن ذلك لو كان يحرم نكاحها قطعت العصمة بين المرأة تزني عند زوجها وبينه وأمر الله عز وجل في اللاتي يأتين
الفاحشة من النساء بأن يحبسن في البيوت حتى يتوفاهن الموت ، أو يجعل
الله لهن سبيلا منسوخ بقول الله عز وجل " الزانية
والزاني " في كتاب الله ،
ثم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فإن قال قائل فأين ما وصفت من ذلك ؟ قيل إن
شاء الله تعالى أرأيت إذا أمر الله في اللاتي يأتين الفاحشة أن يحبسن في البيوت
حتى يتوفاهن الموت ، أو يجعل الله لهن سبيلا أليس بينا أن هذا أول ما أمر به في
الزانية ؟ فإن قال هذا ، وإن كان هكذا عندي فقد يحتمل أن يكون عندي حد الزنا في
القرآن قبل هذا ، ثم خفف وجعل هذا مكانه إلا أن يدل عليه
غير هذا قيل له : إن شاء الله تعالى أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا عبد الوهاب عن يونس عن الحسن عن عبادة
بن الصامت في هذه الآية " حتى
يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " قال كانوا
يمسكوهن حتى نزلت آية الحدود فقال النبي صلى الله عليه وسلم " خذوا
عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة
والرجم " . قال الشافعي رحمه الله تعالى
: فلا أدري أسقط من كتابي حطان الرقاشي أم لا ؟ فإن
الحسن حدثه عن حطان الرقاشي عن عبادة
بن الصامت ، وقد حدثنيه غير واحد من أهل العلم عن الثقة عن الحسن عن حطان الرقاشي عن عبادة
بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . قال الشافعي رحمه الله تعالى : وهذا حديث يقطع الشك ويبين أن حد الزانيين كان الحبس
، أو الحبس ، والأذى فكان الأذى بعد الحبس ، أو قبله وأن أول ما حد الله به
الزانيين من العقوبة في أبدانهما بعد هذا عند قول النبي صلى الله عليه وسلم
" قد
جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام " ، والجلد
على الزانيين الثيبين منسوخ بأن
رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعز بن مالك ولم يجلده ورجم
المرأة التي بعث إليها أنيسا ولم يجلدها ، وكانا
ثيبين . فإن قال
قائل ما دل على أن هذا منسوخ ؟ قيل له : أرأيت إذا كان أول ما حد الله
به الزانيين الحبس ، أو الحبس ، والأذى ، ثم قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم " خذوا
عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة والتغريب والثيب بالثيب الجلد
والرجم "
أليس
في هذا دلالة على أن أول ما حدهما الله به من العقوبة في أبدانهما الحبس ، والأذى
؟ فإن قال بلى قيل فإذا كان هذا أولا فلا نجد ثانيا أبدا إلا بعد الأول فإذا حد
ثان بعد الأول فخفف من حد الأول شيء فذلك دلالة على ما خفف الأول منسوخ عن الزاني . ( الأم للشافعي
) .
ـ السنة
للمروزي (307)- [380] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
يَحْيَى، أنبا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ
بْنِ خَالِدٍ، وَشِبْلٍ، أَنَّهُمْ قَالُوا: "
رَجَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَجْلِدْ
". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ وَمَاعِزًا
بَعْدَ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : عَلَى الثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ
وَالرَّجْمُ؟، قِيلَ: إِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : خُذُوا
عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا، الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ
مِائَةٍ وَالرَّجْمُ، فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ أَوَّلَ حَدِّ
الزَّانِيَيْنِ وَإِذَا كَانَ أَوَّلا فَكُلُّ حَدٍّ جَاءَ بَالِغُهُ، فَالْعِلْمُ
يُحيطُ أَنَّهُ بَعْدَهُ وَالَّذِي بَعْدَهُ يَنْسَخُ مَا قَبْلَهُ إِذَا كَانَ
يُخَالِفُهُ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ
الْفُتْيَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَغَيْرِهِمْ
مِنْ أَهْلِ الأَثَرِ، أَنَّ عَلَى الزَّانِي الْبِكْرِ الَّذِي لَمْ يُحْصَنْ
جَلْدَ مِائَةٍ وَنَفْيَ سَنَةٍ، وَعَلَى الثَّيِّبِ الَّذِي قَدْ أُحْصِنَ
الرَّجْمَ وَلا جَلْدَ عَلَيْهِ، فَمَنْ عَرَفَ مِنْهُمْ حَدِيثَ عُبَادَةَ
وَثَبَتَهُ زَعَمَ أَنَّهُ جَلَدَ الزَّانِيَيْنِ الْبِكْرَيْنِ بِكِتَابِ اللَّهِ،
وَنَفَاهُمَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاحْتَجَّ فِي
نَفْيِهِ إِيَّاهُمَا بِحَدِيثِ عُبَادَةَ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَخْبَارِ الَّتِي
رُوِيَتْ فِي النَّفْيِ، وَأَنَّهُ أَسْقَطَ الْجَلْدَ عَنِ الثَّيِّبَيْنِ،
وَأَثْبَتَ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ بِالأَخْبَارِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا
الشَّافِعِيُّ، وَجَعَلَ الْجَلْدَ مَنْسُوخًا عَنِ الثَّيِّبَيْنِ بِالسُّنَّةِ، قَالَ أَبُو
عَبْدِ اللَّهِ: فَقَدْ أَثْبَتَ الشَّافِعيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَسْخَ
الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ ؛ لأَنَّهُ أَثْبَتَ الْجَلْدَ مَعَ النَّفْيِ عَلَى
الْبِكْرَيْنِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ فِي جَلْدِ الزَّانِيَيْنِ الْجَلْدُ
بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالنَّفْيُ بِالسُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ أَثْبَتَ الْجَلْدَ
مَعَ الرَّجْمِ عَلَى الثَّيِّبَيْنِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ:
الْجَلْدُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالرَّجْمُ بِالسُّنَّةِ، وَزَعَمَ أَنَّ
ذَلِكَ أَوَّلُ حَدِّ الزَّانِيَيْنِ الثَّيِّبَيْنِ، ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ
النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ رَفَعَ الْجَلْدَ عَنِ
الثَّيِّبَيْنِ، وَأَثْبَتَ عَلَيْهَا الرَّجْمَ، فَأَقَرَّ بِأَنَّ الْجَلْدَ
الَّذِي كَانَ وَاجِبًا عَلَى الثَّيِّبَيْنِ بِكِتَابِ اللَّهِ عِنْدَ نُزُولِ
الآيَةِ، قَدْ رَفَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ،
فَصَارَ الْجَلْدُ عَنْهُمَا مَنْسُوخًا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم هَذَا بِحَمْدِ اللَّهِ وَاضِحٌ غَيْرُ مُشْكِلٍ، وَأَمَّا الَّذِينَ
لَمْ يَعْرِفوَا حَدِيثَ عُبَادَةَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي الآيَةِ أَحَدَ
قَوْلَيْنِ، كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ: "
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا "، مَنْ
أَجَازَ مِنْهُمْ نَسْخَ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ جَعَلَ بَعْضَ الآيَةِ
مَنْسُوخًا بِالسُّنَّةِ، وَبَاقِيَهَا مُحْكَمٌ، وَجَعَلَهَا الْفَرِيقُ الآخَرُ
مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، فَقَالُوا: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: "
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا "،
الْبِكْرَيْنِ غَيْرَ الْمُحْصَنَتَيْنِ دُونَ الثَّيِّبَيْنِ الْمُحَصَنَيْنِ،
هَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ
أَهْلِ عَصْرِنَا وَقُرْبِهِ إِلَى إِيجَابِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ عَلَى
وَجْهِهِ فَأَوْجَبُوا عَلَى الزَّانِيَيْنِ الْبِكْرَيْنِ جَلْدَ مِائَةً
بِكِتَابِ اللَّهِ وَنَفْيَ سَنَةٍ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
وَأَوْجَبُوا عَلَى الزَّانِيَيْنِ الثَّيِّبَيْنِ الْجَلْدَ بِكِتَابِ اللَّهِ
وَالرَّجْمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالُوا: عَمِلَ
بِذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَفْتَى بِهِ
أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَقَالُوا: لَيْسَ فِي الأَخْبَارِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا
الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى إِسْقَاطِ الْجَلْدِ عَنِ الثَّيِّبَيْنِ دَلِيلُ
نَصٍّ يُوجِبُ رَفْعَ الْجَلْدِ عَنْهُمَا ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا ذِكْرٌ
لِلْجَلْدِ بِوَاحِدَةٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم
قَدْ جَلَدَهُمَا وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ، وَلَعَلَّهُمْ إِنَّمَا
اختَصُروَا ذِكْرَهُ مِنَ الْحَدِيثِ ؛ لأَنَّهُمْ رَأَوَا الْجَلْدَ ثَابِتًا
عَلَى الزَّانِيَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاسْتَغْنَوْا بِكِتَابِ اللَّهِ عَنْ ذِكْرِهِ
فِي السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الرَّجْمَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي كِتَابِ
اللَّهِ ذِكْرٌ ؛ لِيَنْتَشِرَ ذِكْرُهْ فِي النَّاسِ وَيَشِيعَ فِي الْعَامَّةِ ؛
فَيَعْلَمُوا أَنَّهُ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلا
يُمْكِنُهُمْ إِنكَارُهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أنْكَرَهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ
الأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ . انتهى
والشاهد أن
الشافعي هنا قد عارض نفسه وزعم نسخ الأثر لكتاب الله , فضلاً عن أنه يؤمن بالصلوات
الخمس وهي مبنية على نسخ أثر الشِّعرة لكتاب الله .
والسؤال : كيف
يعارض الشافعي نفسه ؟
وإن كان يؤمن
حقاً بأن الآثار لا تنسخ القرآن فكيف يؤمن بالرجم والصلوات الخمس ؟
كيف يستجيز
الكفر بآيات الله تحت مسمى النسخ ؟
ثانياً : اضطراب
ابن تيمية :
1 ـ ابن تيمية
يرى أن الآثار لا تنسخ القرآن :
قال ابن تيمية
: ( فلا يعرف في شيء من آيات القرآن أنه نسخه إلا قرآن ، والوصية للوالدين
والأقربين منسوخة بآية المواريث ، كما اتفق على ذلك السلف ) . (مجموع الفتاوى
5/211) .
2 ـ ابن تيمية
يلبس على الناس :
قال ابن تيمية
: ( وبالجملة فلم يثبت أن شيئا من القرآن نسخ بسنة بلا قرآن وقد ذكروا من ذلك قوله
تعالى : "فامسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا"
وقد ثبت فى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : خذوا عنى خذوا عنى قد
جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة
والرجم .وهذه الحجة ضعيفة لوجهين أحدهما: أن
هذا ليس من النسخ المتنازع فيه فإن الله مد الحكم إلى غاية والنبى صلى الله عليه
وسلم بين تلك الغاية لكن الغاية هنا مجهولة فصار هذا يقال إنه نسخ بخلاف الغاية
البينة في نفس الخطاب كقوله "ثم أتموا الصيام إلى الليل" فإن هذا لا يسمى نسخا بلا ريب .الوجه الثانى
أن جلد الزانى ثابت بنص القرآن وكذلك الرجم كان قد أنزل فيه قرآن يتلى ثم نسخ لفظه
وبقى حكمه وهو قوله "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله
والله عزيز حكيم" وقد ثبت الرجم بالسنة المتواترة وإجماع الصحابة .وبهذا يحصل
الجواب عما يدعى من نسخ قوله "واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم" الآية
فإن هذا إن قدر أنه منسوخ فقد نسخه قرآن جاء بعده ثم نسخ لفظه وبقى حكمه منقولا
بالتواتر وليس هذا من موارد النزاع فإن الشافعى وأحمد وسائر الأئمة يوجبون العمل
بالسنة المتواترة المحكمة وإن تضمنت نسخا لبعض آى القرآن لكن يقولون إنما نسخ
القرآن بالقرآن لابمجرد السنة ويحتجون بقوله تعالى : "ما ننسخ من آية أو
ننسها نأت بخير منها أو مثلها" ويرون من تمام حرمة القرآن أن الله لم ينسخه
إلا بقرآن ) .( مجموع الفتاوى 20|399 )
.
وأقول :
أولاً :
الوصية للوالدين والأقربين ليست منسوخة , ولم يتفق السلف على نسخها بآية المواريث
.
ثانياً : إذا
كنت ترى أن الآثار لا تنسخ القرآن فلماذا تؤمن بالرجم والصلوات الخمس , رغم أن
الإيمان بهما مبني على نسخ الآثار لكتاب الله ؟
أم أنك ترى أن
أثر "خذوا عني " من القرآن ؟
وأين آيات
الصلاة الناسخة في زعمكم , أم أنك جعلت أثر الشِّعرة من القرآن ؟
أما التلبيس
الذي قاله ابن تيمية فيزول إذا سألناه السؤال التالي : هل تؤمن بأن حكم الزانيين
في سورة النساء معمول به أم منسوخ ؟
أنت تؤمن بأنه
منسوخ .
والسؤال : ما
الذي نسخه ؟
إن "خذوا
عني" أثر وليس آية , وكذلك "الشيخ والشيخة" أثر وليس آية , ولا
ينسخ الأثر كتاب الله , ولا غير المتلو المتلو , ولا ينسخ الآحاد المتواتر , ولا
ينسخ الباطل الصحيح , ولا ينسخ الأغلظ الأخف , ولا ينسخ المتقدم المتأخر .
تنبيه : أثر
"الشيخ والسيخة" أثر باطل وهو متقدم عن آيات الحبس والإيذاء وليس متأخراً
عنها عندهم , فضلاً عن أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر .
أما سورة
النور فهي لا تعارض سورة النساء حتى يزعم أحد النسخ , بل إن العقوبات المبينة في
السورتين يجب الإيمان بها والعمل بها , ومن كفر بشيء منها فقد كفر ببعض الكتاب ,
ولم يحكم بما أنزل الله .
لذا يجب جلد
الزانيين وإيذاؤهما , وحبس النساء في البيوت ويجوز عضلهن , كما يجب عدم إنكاح
الزاني إلا من زانية أو مشركة , وعدم إنكاح الزانية إلا من مشرك أو زان .
ثالثاً : اضطراب ابن عثيمين :
سئل ابن
عثيمين في شأن النسخ، هل نسخ شيء من القرآن بالسنة؟
فأجاب : (( لا أعلم شيئاً من القرآن نسخ بالسنة إلا مسألة اللوطي -نسأل الله
العافية- فإن الله تعالى قال في القرآن: "وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ
فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ
تَوَّاباً رَحِيماً" [النساء:16] فهذه الآية تدل على أن الفاعلين يؤذيان حتى
يتوبا ويصلحان، فجاءت السنة: ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل
والمفعول به ) فهذا يستدل به على أن السنة تنسخ القرآن. وعمل قوم لوط أكبر من
الزنا -والعياذ بالله- وأفحش، والدليل على هذا أن الله قال في القرآن: "وَلا
تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً" [الإسراء:32] أي: فاحشة من
الفواحش، وأما اللواط فقد قال لوط لقومه: "أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ"
[الأعراف:80] أي: الفاحشة العظمى الكبرى، ولهذا دخلت عليها (أل) فكان اللواط أعظم
من الزنا، ويدل على هذا أن الله سبحانه وتعالى بعث رسولاً برسالة تامة لينذر من
هذه الفعلة الشنيعة، وأن الله أهلك فاعلي هذه الفعلة الشنيعة بصفة عامة، فدل ذلك
على أن اللواط أعظم من الزنا، ولهذا يجب على ولي الأمر إذا ثبت اللواط بين اثنين
وكلاهما بالغ عاقل، ولم يكره أحد منهما يجب عليه أن يقتلهما امتثالاً لأمر النبي
صلى الله عليه وسلم، ودرءاً لهذه المفسدة القبيحة والفاحشة الشنيعة نسأل الله
العافية. هذا الذي يحضرني بعد التتبع من نسخ القرآن بالسنة. وأما من قال: إن قول
الله تعالى: "كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ
تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ
حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ" [البقرة:180] منسوخ بقوله صلى الله عله وسلم: (
لا وصية لوارث ) فهذا قول لا يصح: أولاً: لأن الحديث ليس فيه نسخ بل فيه التخصيص؛
لأن الآية فيها الأمر بالوصية للأقربين، وهذا يعم الوارث وغير الوارث، ثم رفع
الحكم عن الوارث فقط، وهذا تخصيص لا نسخ؛ لأن النسخ رفع الحكم كله، لا رفع الحكم
عن بعض أفراد العموم. ثانياً: أن الحديث مبين للناسخ وليس ناسخاً؛ لأن الرسول صلى
الله عليه وسلم قال: ( إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ) وهذا يدل على
أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الله تعالى قسم الميراث وأعطى كل ذي حق حقه،
فلا وصية بعد هذا التقسيم لوارث. لكن ليكن معلوماً لديك أنه حتى وإن لم يوجد مثال
يسلم من المعارضة؛ فإن السنة إذا صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي بمنزلة
القرآن، يجب العمل بما فيها، وتصديق خبرها )) . ( لقاء الباب المفتوح لابن
عثيمين ) .
وأقول :
أولاً : اسمها
آثار وليس اسمها سنة .
ثانياً : أثر
"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" باطل .
ثالثاً :
إتيان الذكور سماه الله تعالى فاحشة , ولم يسمه باللواط , وكلمة لواط أو لوطي أو
لائط إذا قصد بها الفاحشة ومن يعملها فهو دليل على الجهل أو سوء الأدب مع النبي
لوط , لأنه لا يجوز ولا يعقل أن تشتق جريمة قومه من اسمه , ولا يجوز أو يعقل أن
يكون معنى كلمة لوطي ـ وهي النسب إليه ـ هو النسب إلى قومه , والصواب أن كلمة لوطي
ستعني المتشبه بلوط أي الكاره للفاحشة وليس المتشبه بقومه , كما لو قلنا محمدي ,
فهي ستعني المتشبه بالنبي وليس المتشبه بقومه الذين يعبدون الأصنام .
رابعاً : أثر
"لا وصية لوارث" باطل .
خامساً : آية
الوصية ليست منسوخة بالقرآن لأنه لا يوجد تعارض , بل يجب الإيمان بالوصية والعمل
بها ويجب الإيمان بالمواريث والعمل بها ومن كفر بأحدهما فهو كافر قد كفر ببعض
الكتاب , ومن لم يعمل بأحدهما فهو كافر لم بما أنزل الله .
سادساً : إذا
كان هذا رأي ابن عثيمين فكيف يؤمن بالرجم وبالصلوات الخمس ؟
سابعاً : أين
آيات الرجم الناسخة ؟ هل أثر "خذوا عني" من القرآن ؟ هل أثر "الشيخ
والشيخة" من القرآن ؟
ثامناً : أين
آيات الصلاة الناسخة ؟ هل أثر الشِّعرة من القرآن ؟
والخلاصة :
لقد اختلفت
الفرق الضالة في النسخ فمنهم من قال أن الآثار تنسخ القرآن وهؤلاء قد خالفوا
القرآن وضلوا وأضوا عن سواء السبيل .
ومنهم من قال أن الآثار لا تنسخ القرآن كالشافعي وابن تيمية ولكنهم ناقضوا أنفسهم
في الصلاة والرجم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله رب العالمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق