الأربعاء، 22 يوليو 2015

بين أبي زهرة والقرضاوي

رسالة : بطلان الرجم شرعاً وعقلاً

فصل : بين أبي زهرة والقرضاوي

كتب : محمد الأنور ( أبو عبد الله المدني , تبيين الحق ) :

يقول يوسف القرضاوى فى مذكراته تحت عنوان ( أبو زهرة يفجر قنبلة ) :

"فى هذه الندوة ( ندوة التشريع الإسلامى المنعقدة فى مدينة البيضاء فى ليبيا عام ١٩٧٢ ) فجر الشيخ أبو زهرة قنبلة فقهية، هيّجت عليه أعضاء المؤتمر، حينما فاجأهم برأيه الجديد. وقصة ذلك: أن الشيخ وقف فى المؤتمر، وقال: إنى كتمت رأيًا فقهيًّا فى نفسى من عشرين سنة وآن لى أن أبوح بما كتمته، قبل أن ألقى الله تعالى، ويسألنى: لماذا كتمت ما لديك من علم، ولم تبينه للناس؟ هذا الرأى يتعلق بقضية «الرجم» للمحصن فى حد الزنى.

فرأيى أن الرجم كان شريعة يهودية، أقرها الرسول فى أول الأمر، ثم نسخت بحد الجلد فى سورة النور. قال الشيخ: ولي على ذلك أدلة ثلاثة:

الأول: أن الله تعالى قال: «.... فإذا أُحصِنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب» [النساء: ٢٥]، والرجم عقوبة لا تتنصف، فثبت أن العذاب فى الآية هو المذكور فى سورة النور: «وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين» [النور: ٢].

والثانى: ما رواه البخارى فى جامعه الصحيح عن عبد الله بن أوفى أنه سئل عن الرجم. هل كان بعد سورة النور أم قبلها؟ فقال: لا أدرى. فمن المحتمل جدًّا أن تكون عقوبة الرجم قبل نزول آية النور التى نسختها.

الثالث: أن الحديث الذى اعتمدوا عليه، وقالوا: إنه كان قرآنًا ثم نسخت تلاوته وبقى حكمه أمر لا يقره العقل، لماذا تنسخ التلاوة والحكم باق؟ وما قيل: إنه كان فى صحيفته فجاءت الداجن وأكلتها لا يقبله منطق.

وما إن انتهى الشيخ من كلامه حتى ثار عليه أغلب الحضور، وقام من قام منهم، ورد عليه بما هو مذكور فى كتب الفقه حول هذه الأدلة. ولكن الشيخ ثبت على رأيه"

وقد لقيته بعد انفضاض الجلسة، وقلت له: يا مولانا، عندي رأي قريب من رأيك، ولكنه أدنى إلى القبول منه. قال: وما هو؟

قلت: جاء في الحديث الصحيح: "البكر بالبكر: جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب: جلد مائة، ورجم بالحجارة" .

قال: وماذا تأخذ من هذا الحديث؟ قلت: تعلم فضيلتك أن الحنفية قالوا في الشطر الأول من الحديث: الحد هو الجلد، أما التغريب أو النفي، فهو سياسة وتعزير، موكول إلى رأي الإمام، ولكنه ليس لازمًا في كل حال.

وعلى هذا فثبت ما جاءت به الروايات من الرجم في العهد النبوي، فقد رجم يهوديين، ورجم ماعزا، ورجم الغامدية، وبعث أحد أصحابه في قضية امرأة العسيف، وقال له: اغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها. وكذلك ما روي أن عمر رجم من بعده، وأن عليا رجم كذلك.

ولكن الشيخ لم يوافق على رأيي هذا، وقال لي: يا يوسف، هل معقول أن محمد بن عبد الله الرحمة المهداة يرمي الناس بالحجارة حتى الموت؟ هذه شريعة يهودية، وهي أليق بقساوة اليهود.

وكان رأي الشيخ الزرقا مع الجمهور، ولكنه يخالف الجمهور في تعريف "المحصن" فعندهم: أن المحصن من حصل له الزواج، وإن فارقته زوجه بطلاق أو وفاة، وبات في واقع الحال لا زوجة له، وعند الزرقا: المحصن: من له زوجة بالفعل. وهذا رأي الشيخ رشيد رضا ذكره في تفسير المنار.

توقفت طويلا عند قول الشيخ أبى زهرة عن رأيه إنه كتمه فى نفسه عشرين عاما، ولم يعلنه فى درس أو محاضرة أو كتاب أو مقالة؟ لقد فعل ذلك خشية هياج العامة عليه، وتوجيه سهام التشهير والتجريح إليه، كما حدث له فى هذه الندوة. وقلت فى نفسى: كم من آراء واجتهادات جديدة وجريئة تبقى حبيسة فى صدور أصحابها، حتى تموت معهم، ولم يسمع بها أحد، ولم ينقلها أحد عنهم!!

ولذلك حين تحدثت عن معالم وضوابط الاجتهاد المعاصر، جعلت منها: أن نفسح صدورنا للمخطئ فى اجتهاده، فبهذا يحيا الاجتهاد ويزدهر، والمجتهد بشر غير معصوم، فمن حقه - بل الواجب عليه - أن يجتهد ويتحرى، ولا يلزمه أن يكون الصواب معه دائمًا، وما دامت صدورنا تضيق بالرأي المخالف للجمهور، فلن ينمو الاجتهاد، ولن يؤتى ثمراته."( انتهى كلام يوسف القرضاوي) .

التعقيب :

إن الحوار الذي دار بين أبي زهرة والقرضاوي يدل على فقههما وأدب الخلاف عندهما , وهذا على خلاف حال السلفيين الذين يؤثرون التقليد الأعمى ولا يقبلون أي اجتهاد ويقدمون كلام شيوخهم على كلام الله , ويتطاولون على المخالف ويتهمونه ويفترون عليه .

لقد اهتدى أبو زهرة إلى بطلان الرجم بعقله , والعقل الصحيح يوافق النص الصحيح , ولو حقق أبو زهرة آثار الرجم لتبين له بطلان أسانيدها ونكارة واختلاف متونها , وما استطاع جاهل أثري مخالفته أو التطاول عليه .

أما القرضاوي , فهو فقيه , فلقد أخذ يبحث في أثر "خذوا عني " عن مخرج , وما قاله يدل على فقهه , ولكن لو كان حقق الأثر لعلم بطلان سنده ونكارة متنه , ولوفر على نفسه هذا الجهد , فلا تأويل مع الضعف , ولما استطاع أي جاهل أثري مخالفته أو التطاول عليه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله رب العالمين


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق